مجد الدين ابن الأثير

421

المختار من مناقب الأخيار

فأوضح منكبه ، وإذا اللّمعة ، فابتدراه يقبّلانه وقالا : نشهد أنّك أويس القرني ، فاستغفر لنا يغفر اللّه لك . قال : ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ، ولكنّه في البرّ والبحر ، في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات . يا هذان ! قد شهر اللّه لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما ؟ قال علي : أما هذا فعمر أمير المؤمنين ، وأما أنا فعلي بن أبي طالب . فاستوى أويس قائما وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، وأنت يا بن أبي طالب فجزاكما اللّه عن هذه الأمّة خيرا . قالا : وأنت فجزاك اللّه عن نفسك خيرا . فقال له عمر : مكانك رحمك اللّه حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي ، وفضل كسوة من ثيابي ، هذا المكان ميعاد بيني وبينك . قال : يا أمير المؤمنين ! لا ميعاد بيني وبينك ، لا أراك بعد اليوم تعرفني ، ما أصنع بالنفقة ؟ ما أصنع بالكسوة ؟ أما ترى عليّ إزارا من صوف ، ورداء من صوف ، متى تراني أخرقهما ؟ أما ترى أنّ نعليّ مخصوفتان ؟ متى تراني أبليهما ؟ أما تراني أني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم ؟ متى تراني آكلها يا أمير المؤمنين ؟ إنّ بين يدي ويديك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا ضامر مخفّ مهزول ، فأخفّ رحمك اللّه . فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثم نادى بأعلى صوته : ألا ليت عمر لم تلده أمّه ، يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها ؛ ألا من يأخذها بما فيها ولها ؟ ! ثم قال : يا أمير المؤمنين ! خذ أنت ههنا حتى آخذ أنا ههنا . فولّى عمر ناحية مكّة ، وساق أويس إبله ، فوافى القوم بإبلهم وخلّى عن الرّعاية ، وأقبل على العبادة حتى لحق باللّه عزّ وجل « 1 » . وقال علقمة بن مرثد : انتهى الزّهد إلى ثمانية من التابعين ، منهم أويس القرني ، ظنّ أهله أنّه مجنون فبنوا له بيتا على باب دارهم ، فكانت تأتي

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2 / 81 - 83 وابن عساكر .